أهمية الدراسة: ترجع أهمية الدراسة إلى أن هناك تطور كبيراً لحق بالجريمة سواء من حيث زيادة معدلاتها، أو تنوع وسائل ارتكابها، واستحداث صور جديدة منها. ومن مظاهر هذا التطور توزيع الجناة الأدوار فيما بينهم، وانتشار الجريمة المنظمة، واستعمال الجريمة كأداة تلحق الضرر بالدولة ونظمها ومؤسساتها وأموالها. وساهم تطور وسائل النقل والاتصالات في عدم حصر النشاط الإجرامى في دائرة اختصاص مكانى معين؛ بل امتد إلى كافة أماكن الدولة الواحدة، وتعداه ليعبر حدودها. وقد أدى كذلك استخدام وسائل تقنية حديثة في ارتكاب الجرائم إلى سهولة ارتكابها من جانب، وإلى صعوبة ضبطها وتعقب مرتكبيها من جانب آخر. يضاف إلى ذلك ما يتصف به الجناة من حيطة وحذر، ما يجعل نشاطهم سرياً يصعب معرفته أو الوقوف عليه. وساهمت المشكلات التي تحيط بالدليل التقليدي كإحجام الشهود عن الإدلاء بشهادتهم، والخشية من تبديل الشهادات، واعتصام المتهمين بالإنكار في التحقيقات من توهين الدليل في الدعوى. وقد أدت هذه الأسباب وغيرها إلى عجز وسائل الإثبات التقليدية عن القيام بدورها، وأفضت إلى عدم قدرة سلطات الضبط والتحقيق على مكافحة الجريمة وملاحقة تطورها. وهذه الاعتبارات قد دعت الفقه والتشريع المقارن إلى استحداث وسائل تحقيق جديدة، كان من بينها استخدام محقق يتدثر بشخصية مستعارة يقوم بالتعامل مع المشتبه فيهم بها، ويتمكن من تحقيق الوقائع وجمع الدليل. وتكتسب الدراسة أهمية كبيرة ببحث هذا الموضوع، سواء من الناحية النظرية أم التطبيقية. فهى تقدم واحدة من أهم وأحدث الوسائل فعالية في مكافحة الجريمة، والتي يتزايد استخدامها على نحو كبير على حساب الوسائل التقليدية في الإثبات الجنائى. ولكن الأهمية ترجع أيضاً إلى أن استخدام هذه الوسيلة يكون محفوفاً بالمساس بالعديد من المبادئ والقواعد المستقرة في الإجراءات الجنائية، والتي لا يمكن بحال الاستغناء عنها، إذ تمثل الشرعية الجنائية في جانبها الإجرائى. وهو ما يقتضى رسم الحدود التي يجب أن يختطها المحقق المتخفى في عمله، وتحديد متى يكون قد نال من حقوق المتهم على نحو يجب معه استبعاد الدليل، أو القول بأنه قد التزم الحدود المقررة له، ومن ثم جاز قبول الدليل المتحصل عليه فى هذه الحالة.

ولدراسة الموضوع في القانون الألماني أهمية خاصة، ذلك أن هذا القانون قد تبنى منذ سنة 1992 الأخذ بالمحقق المتخفى ونص عليه في قانون الإجراءات الجنائية، ويعتبر بذلك من أقدم التشريعات المقارنة التي أخذت به. وقد ارتبط في البداية بمكافحة الجريمة المنظمة والتي تشمل جرائم الإرهاب، إذ إنها لا تعدو في نظر الشارع الألماني أن تكون صورة من صور الإجرام المنظم؛ غير أن التطور قد لحق هذا القانون إذ مد الشارع تطبيق هذه الوسيلة إلى غير ذلك من جرائم، وازداد العمل والأخذ بها من الناحية الواقعية بصورة كبيرة. واتسمت خطة الشارع الألماني بالتفصيل والدقة، كما أنه أدخل عدة تعديلات على هذه الخطة في ضوء ما كشف عنه التطبيق من مشكلات. وقد تناول الفقه ما نص عليه الشارع بالتحليل والشرح والتأصيل والمقارنة والنقد، وهو ما كان له أثر كبير في بيان معالم الخطة التشريعية، وقدمت يد العون للشارع في إجرائه للتعديلات التي قام بها. كما ساهمت أحكام القضاء الألماني، وكذلك المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، في وضع الضوابط التي تكفل تحقيق التوازن بين ما تحققه هذه الوسيلة في التحقيق من فائدة وفعالية للعدالة الجنائية، وبين حقوق الأفراد وضماناتهم ومبادئ المحاكمة المنصفة.

الأهمية الخاصة للدراسة بالنسبة للقانون المصرى:

هناك أهمية خاصة لدراسة الموضوع بالنسبة للقانون المصرى من عدة أوجه: فمن ناحية فإن القانون المصرى لا يعرف استخدام محقق متخف على النحو الذى نظمه القانون المقارن، إذ خلا من نص يدل على أخذه به، وقد اعتبر القضاء المصرى أنه لمأمور الضبط القضائى في مرحلة التحرى وجمع الاستدلالات أن يقوم بانتحال شخصية غير حقيقية، وأنه يجوز له مسايرة المتهم أو أن يتظاهر رغبته فى شراء المخدر منه وهو ما لا يعد تحريضاً على ارتكاب الجريمة أو خلقاً لها. غير أن هذه الصورة التقليدية التي تقف عند حد التحرى وجمع الاستدلالات قد تجاوزتها كثيراً التشريعات المقارنة، فقد نظمت عمل المحقق المتخفى باعتباره إجراء من إجراءات التحقيق يخضع كغيره من إجراءات للقواعد المنظمة له، وخصته بضوابط خاصة حتى يستقيم عمله ويصلح الدليل المتحصل عليه منه في الإثبات. والدراسة تقدم بذلك نظاماً تشريعياً عريقاً له خطته التشريعية المميزة والمفصلة التي تتسم بدقتها وبمنطقها القانوني، وتراعى الاعتبارات المتعارضة في الموضوع، ولم تقف الدراسة عند حدود النصوص، وإنما قدمت أيضاً فقهاً غزيراً أدلى بدلوه في الموضوع ،وساهمت شروحه وتحليلاته ونقده في الوقوف على الكثير من جوانبه وفهم العديد من أفكاره. كما أن القضاء الألماني قد أسهم كذلك بدور كبير في كافة ما عرض عليه من قضايا أثارت مشكلات دقيقة عند تطبيق النصوص.

ومن ناحية أخرى فعلى الرغم من أن منهج البحث ليس مقارناً، وإنما اقتصرت الدراسة على التشريع الألمانى فحسب؛ إلا أن للدراسة مع ذلك أهمية خاصة أخرى بالنسبة إلى النظام الإجرائى المصرى: فهناك أوجه شبه كبيرة بين النظامين تتعدى كثيراً أوجه الشبه بين القانون المصرى وغيره من نظم تشريعية مقارنة: ففى القانونيين-المصرى والألمانى- تعد النيابة العامة هى السلطة التى تتولى التحقيق الابتدائى بحسب الأصل، وهى تلتزم فى النظامين بالموضوعية والحيدة فى أدائها لعملها، وهناك قدر من الرقابة القضائية على عملها فى القانونين، وإن كانت هذه الرقابة تتسم فى القانون الألمانى باتساع نطاقها مع عدم عرقلة سير الإجراءات فى الدعوى الجنائية. والنيابة فى القانونين تستأثر بحسب الأصل بسلطة الاتهام، ولها دور مؤثر فى مرحلة إحالة الدعوى الجنائية، ويتشابه دورها فى القانونين فى مرحلة المحاكمة، كما أن لها أيضاً قدر من الاختصاص فى تنفيذ الأحكام فيهما. ومن الناحية التطبيقية؛ فإن هناك تشابهاً أيضاً فى جسامة العبء الملقى على عاتق النيابة العامة فى النظامين الإجرائيين، وفى قلة عدد أعضاء النيابة الذين يتحملون هذا العبء. ومن جهة أخرى فإن القانون الألمانى لا يعرف نظام “الشرطة القضائية” المعمول به في بعض التشريعات كالقانون الفرنسى، فالشرطة تتبع وزارة الداخلية، بينما تتبع النيابة العامة وزارة العدل، وهو توزيع مقصود للسلطات، غرضه عدم تركيزها في يد واحدة. غير أن القانون الألمانى يتميز باعتبار ما تقوم به الشرطة المعاونة من قبيل التحقيق الابتدائى بالمعنى الدقيق، كما يتميز هذا القانون باتساع نطاق الرقابة القضائية على أعمال التحقيق وفعاليتها.

والدراسة تقدم بذلك نظاماً إجرائياً شديد الشبه في أصوله العامة بالقانون المصرى، ويتماثل معه في بيئته القانونية، ما يجعل الدراسة لا تبعد كثيراً عن واقع القانون المصرى؛ بل تلقى الضوء على نظام إجرائى مقارن، وتقدم من خلاله بعض الاقتراحات التى قد تسهم فى تطوير نظام الإجراءات الجنائية المصرى.

إشكاليات الدراسة:

تثير الدراسة مجموعة مهمة من التساؤلات: فما المقصود بالمحقق المتخفى؟، وهل يجب أن يكون أحد أفراد الشرطة؛ أم يمكن أن يكون غيرهم؟، وما ضوابط التمييز بين هذا المحقق وغيره من صور تختلط به مثل المخبرين، وأهل الثقة، والمحقق السري، فما الفروق بينهم؟، وهل يخضع هؤلاء للنظام القانوني الذى اختطه الشارع للمحقق المتخفى؟، وما هي ملامح هذا النظام؟، وما السلطة التي أناط بها الشارع الإذن به؟، وإذا كان من شأن استخدام المحقق المتخفى أن يشكل استثناء على قواعد التحقيق التي تتسم بكونها ظاهرة، فإن السؤال يثور عما إذا كان اللجوء لهذه الوسيلة في التحقيق جائز في كافة الجرائم؛ أم أنه يجب أن يقتصر على جرائم معينة تتصف بالجسامة، وفى هذه الحالة فما هي خطة الشارع الألماني في النص عليها وتحديدها؟، وهل للقضاء من دور في تحديد جسامة الجريمة. وهل يجب أن يكون اللجوء إلى استخدام هذا النوع من الإجراءات باعتباره وسيلة عادية في التحقيق؛ أم أنه يتعين النظر إليه باعتباره هو الوسيلة الأخيرة، بعد استنفاذ وسائل التحقيق الأخرى العادية؟

وإذا كان المحقق يخفى شخصيته تحت ستار شخصية أخرى، فهل يمكن اصطناع أوراق ومستندات مزيفة تدل على هذه الشخصية؟، وهل يجوز للمحقق أن يدخل في معاملات قانونية مع الغير بها، على الرغم من زيفها؟، وإذا اقتضى الأمر أن يدخل هذا المحقق مسكناً للغير، فما هي حدود ذلك، وإذا كان المسكن لا يباح له دخوله، فإن التساؤل يثور عن كيفية معالجة الشارع لذلك؟ وتثير الدراسة مسألة بالغة الدقة وهى أن أقوال المتهم التي تتم عقب استجوابه في التحقيق الظاهر تخضع لضمانات نص عليها القانون، أبرزها أنه لا يجب استخدام الخداع من أجل الحصول على اعتراف المتهم، فإن التساؤل يثور عما إذا كان المحقق الذى ينتحل شخصية مستعارة ويحصل على إفادة المتهم بارتكابه الجريمة، والذى يدلى بها وهو مطمئن إلى أن من يحادثه مجرد صديق أو شخص محل ثقة، وليس محققاً، فما أثر ذلك على صحة الدليل؟، وما هي الحدود التي أرساها القضاء الألماني والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في هذه الحالة؟ وتبحث الدراسة في مسألة بالغة الدقة وهى أن هناك مبدأ أصولياً في الإجراءات الجنائية يقضى بعدم جواز إجبار المرء على أن يقدم دليلاً يفضى إلى إدانته، فإن التساؤل يثور عن مدى الالتزام بهذا المبدأ عند استخدام المحقق المتخفى؟، وهل استدراج المتهم للإفضاء باعتراف يتعارض مع هذا المبدأ؟، وهل هذا التعارض -إن وجد- مطلقاً؛ أم أنه يجوز الاعتداد بهذه الأقوال في بعض الحالات، وما هي؟، وهل هناك من ضابط يرسم الحدود بين الأقوال التي يجوز التعويل عليها كدليل في الإثبات، وبين تلك التي يجب طرحها، وعدم الاستناد إليها؟،  كما أن التساؤل يثور عما إذا كان ما قام به المحقق يدخل في التحريض على الجريمة، وليس مجرد كشفها، وما الضابط الذى قرره القضاء في ذلك؟، وإذا أسفر نشاط المحقق عن اكتشاف جريمة أخرى، غير الجريمة موضوع عمله، فهل يجوز له أن يجمع الدليل المتعلق بها، وما مدى صحة هذا الدليل في هذه الحالة؟، وإذا نتج عن عمله التوصل إلى أشخاص آخرين ساهموا في الجريمة موضوع التحقيق، أو في جريمة أخرى لم تكن تحت بصر السلطات، فما التصرف الذى يجوز للمحقق عمله؟، وما هي سلطته في شأن جمع الأدلة عن مساهمة هؤلاء الأشخاص؟، ويثور التساؤل كذلك عن وسائل الإثبات التي يجوز للمحقق المتخفى اللجوء إليها، فإذا تطلب الأمر أن يقوم بتسجيل المحادثات التي تجرى بينه وبين المتهم أو أن يطلع على مراسلاته أو أن يقف على أماكن تواجده، فهل يمكنه القيام بذلك؟، وهل يجب عليه الالتزام بالقيود التي نص الشارع عليها في قانون الإجراءات الجنائية؟

وتطرح الدراسة تساؤلاً مهماً آخر عن حقوق الدفاع بالنسبة للإجراءات التي قام به المحقق المتخفى، فما هي هذه الحقوق؟، وإذا كانت أعمال هذا المحقق تتم في سرية، فمتى يباح للدفاع الاطلاع عليها؟، وهل يتم إعلام المتهم أو الغير ممن مستهم الإجراءات بما تم من أعمال سراً، ولم يتح لهم العلم بها؟، وما هو توقيت وإجراءات هذا الإعلام؟، وهل هناك أسباب يجوز ألا يتم فيها ذلك مطلقاً أو أن يتم تأجيله؟، وما هي السلطة المنوط بها ذلك، وماذا إذا تمخضت وسائل الإثبات التي قام بها المحقق من كشف عن بيانات شخصية تدخل في دائرة الحياة الخاصة للشخص موضوع الإجراء أو غيره، فما التصرف بشأن هذه البيانات؟

وهل نجح الشارع الألماني عند نصه على المحقق المتخفى في تحقيق التوازن بين ما يؤدى إليه الأخذ بهذا الأسلوب من فعالية ونفع للدالة الجنائية، مع كفالة حقوق وضمانات الأشخاص وعدم المساس بقواعد وأصول المحاكمة العادلة في الوقت ذاته؟

وأخيراً فإن الدراسة تطرح تساؤلاً مهما عن مدى إمكانية الأخذ بهذا الأسلوب في التحقيق الابتدائى في القانون المصرى، وما مدى الاستفادة التي يمكن تحصيلها من التنظيم الذى أخذ به الشارع الألماني؟

لتحميل البحث كاملاً اضغط الرابط

استخدام رجل الشرطة لهوية مستعارة لإجراء التحقيق فى القانون الألمانى