مدى دستورية التحفظ على الأشخاص في غير حالات التلبس بقلم الأستاذ الدكتور أشرف توفيق شمس الدين أستاذ القانون الجنائى - القاضى سابقاً مقدمة -تمهيد: تعد مشكلة التوفيق بين العدالة، التى هى مقصد أساسى للتشريع، وبين الأمان والاستقرار الذى يجب أن يكفله القانون للناس فى المجتمع واحدة من أهم المشكلات التى واجهت الفلسفة القانونية المعاصرة، فلا يجب على القانون أن يضحى بالاستقرار والأمان لتحقيق العدالة المجردة، لأن الوصول إلى هذه العدالة ينبغى ألا يكون على حساب أمان الناس وحرماتهم. ويرى البعض أنه يجب أن تختط السياسة الجنائية فى مكافحة الجرائم وخاصة الجسيم منها طابعاً قوامه التشدد، وما يبرر هذه الخطة -فى نظرهم- هو خطورة هذه الجرائم والآثار المترتبة عليها. وأنه فى سبيل مواجهتها يجوز التضحية ببعض ضوابط التجريم ووضع قيود على الحريات. وأنه لا مجال للحديث عن الحقوق والحريات؛ لأن الجانى فيها ينال بالإيذاء هذه الحقوق، وأن الجانى قد ألحق الإيذاء بحقوق المجنى عليهم الذين أصابت أفعاله حياتهم وسلامتهم وحريتهم الشخصية. بل وقد ذهب بعض أنصار هذا الرأى إلى أن الجانى فى هذه الجرائم الجسيمة لا يستحق استفادته بالقواعد العامة للرأفة التى تتيح للقاضى تخفيف العقوبة( ). وأنه لا مبرر للتساهل مع الجناة في الجرائم وخاصة الجسيم منها كجرائم الإرهاب، لأن ذلك سيؤدى إلى تشجيعهم على ارتكاب المزيد منها. وأنه فى سبيل مكافحة هذه الجرائم يمكن الخروج على القواعد القانونية المستقرة التى تتصل بالشرعية الإجرائية، بالانتقاص من ضمانات وحقوق الأفراد فى مرحلتى الاتهام والمحاكمة، ومن بينها قلب عبء الإثبات، فبدلاً من التمسك بقرينة البراءة والتى توجب إثبات التهمة فى حق المتهم، فإن المتهم بهذه الجرائم هو الذى يجب عليه إثبات براءته، فيصبح الأصل فيه هو الإدانة، لا البراءة، أى أن يفترض إدانته إلى أن يثبت هو العكس. كما أنه بدافع مكافحة وقوع هذه الجرائم فإنه يكفى توافر مجرد الدلائل أو الشبهات على ارتكاب الجريمة أو حتى على مجرد الخطر في وقوعها، وذلك لتقييد حرية الشخص والتحفظ عليه، دون أن يسمى ذلك قبضاً. وفى تقديرنا أن الضرر الذى ينتج من هذه النظرة السابقة أكبر من نفعه: فالتمسك بأصول الشرعية الجنائية فى مجال التجريم والعقاب وفى مجال الحفاظ على الحريات هو أمر يتصل بأصول الدولة القانونية. وضابط التمييز بين دولة القانون ودولة الاستبداد إنما يكون بالنظر إلى تصرف الدولة تجاه مواطنيها، وذلك من خلال ما تصدره من قوانين جنائية استناداً إلى سلطتها. ولا يجوز للدولة أن تلجأ فى مواجهة الخروج على القانون بخروج مماثل؛ لأن من شأن ذلك أن ينال من شرعيتها. ومن الأصول المقررة أن مخالفة المرء للقانون، لا تجعله بمنأى عن حماية هذا القانون. فإذا لجأت سلطة الدولة إلى الخروج على الشرعية فى مواجهة ظاهرة إجرامية معينة، فإن ذلك مؤداه احتمال مؤاخذة البريء والمذنب، إذ سيصعب رسم الخط الفاصل بين ما يعتبر من فعلاً مجرماً، وبين ما يخرج عن هذه الأفعال. وهو ما ينطوى ذلك على مساس خطير بحريات الناس الأمر الذى يؤدى إلى إيقاف حركة المجتمع وتعطيل الحياة السياسية، وتهديد كافة الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيه. وسوف يؤدى الخروج على الشرعية إلى المساس بأمن الأفراد، فإذا كانت الجرائم ولا سيما الجسيم منها ينال من هذا الأمن، فإن الخروج على الشرعية الجنائية ينال منه بدرجة أكبر. ومن شأن المبالغة فى السياسة التشريعية وعدم التزامها بضوابط الشرعية الجنائية والمعاملة المهينة التى قد يلقونها أن يغلق الطريق أمام هؤلاء للعودة إلى جادة الصواب؛ وأن يعمق لديهم الشعور بكراهية المجتمع وإلى اعتزاله، وإلى تأكيد فكرتهم السلبية عنه ، وهو ما يؤدى إلى صعوبة اقتلاع هذه الأفكار ومواجهتها فيما بعد. - وضوح النص الجنائى وفكرة اليقين التشريعى: هناك ضوابط مختلفة تضمن عدم انحراف السلطة التشريعية بسلطتها التقديرية. وعلى الرغم من أن هذه الضوابط قد حاول بعض الفقه ردها إلى نصوص الدستور، وأعملتها المحكمة الدستورية العليا فى الكثير من أحكامها باعتبارها كذلك؛ فإن هذه الضوابط فى حقيقة الأمر تقتضيها الرقابة على السلطة التقديرية فى مجال التشريع، حتى ولو لم ينص عليها الدستور. ومن هذه الضوابط أن تتسم نصوص التشريع بالموضوعية، وأن تلتزم الغرض المخصص الذى رسم من أجله، وألا تتعارض على نحو واضح وصريح مع الدستور، وألا تنطوى على مساس جسيم بالحقوق والحريات. ومما يتصل بفكرة الدولة القانونية أن تصاغ نصوص التشريع على نحو محدد وواضح ويخلو من الالتباس والغموض. فلا يجوز أن يكون النص الجنائى متعدد التأويلات، متسع في صياغته على نحو يؤدى إلى عدم تحديد الغرض منه. ومن الأصول المسلم بها أنه على الدولة القانونية بحكم وظيفتها أن تحمى جميع المصالح القانونية، وهذه المصالح ليست مقصورة على مصلحة الدولة فقط؛ بل إنها تشمل أيضاً حقوق الفرد وحرياته، ولا يجوز إهدارها بدعوى المحافظة على مصلحة المجتمع، بل يجب التوفيق بين المصلحتين وعدم طغيان إحداها على الأخرى. والتوسع فى التجريم يجب أن يلتزم فكرة الضرورة الاجتماعية ولا يجوز تجريم أفعال لا تصلح أن تكون محلاً للتجريم أو كانت لا تنطوى على تهديد للمصلحة المحمية، كما لا يجوز أن تأتى نصوص التجريم متسعة العبارة، غامضة المعنى، مزدوجة الدلالة. ويجب أن تتسم نصوص العقاب بالتناسب مع جسامة الفعل المرتكب، وألا تنطوى على قسوة مبالغ فيها، أو تقيد سلطة القضاء فى تقدير العقوبة وفى استعمال الرأفة. وتهتم النظم الاستبدادية بإعادة ترتيب نظامها الإجرائى الجنائى، وذلك من أجل منح سلطات الضبط والتحقيق والاتهام والإحالة سلطات واسعة فى المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم، كما أنها تلجأ إلى تقوية سلطة الدولة فى المحاكمات الجنائية وتجريد الفرد من ضمانات حريته، فأصبح قانون الإجراءات الجنائية فى هذه النظم أداة للسلطة ، وليس أداة لتوخى الحقيقة وإجراء محاكمة منصفة يتم فيها ضمان الحقوق والحريات. -ضابط المساس بالحرية الشخصية في الدستور: ارتفعت الدساتير المصرية المتعاقبة على اختلاف اتجاهاتها بفكرة الحرية الشخصية، وحرصت على تأكيد أهميتها، وارتفعت بأحوال المساس بها إلى مصاف القواعد الدستورية، فحصرت على نحو قاطع هذا المساس بارتكاب جريمة في حالة تلبس أو صدور أمر مسبب من القضاء المختص أو النيابة العامة. وتتصل حالة التلبس بارتكاب الركن المادى للجريمة على مشهد من مأمور الضبط سواء أكان ذلك حقيقة بالرؤية المباشرة أم حكماً برؤية آثار الجريمة أو مرتكبها بعد وقوعها ببرهة يسيرة، وارتكاب هذه الوقائع المادية التى تشكل الركن المادى للجريمة يسهل على سلطات التحقيق والمحاكمة التحقق منها وإقامة الدليل عليها. أما محض الظواهر النفسية التى لم يعبر عنها مادياً، أو مجرد الشبهات أو الدلائل التى يغلب عليها الظن، فإنه يكون من العسير المساس بالحرية الشخصية استناداً إلى توافرها، فلا يمكن العقاب على ما لا يعرف. فماديات الفعل هى التى تجعل من السهل الوقوف على حقيقة التهمة المسندة إلى المتهم، وتكفل قدراً من الحماية من التهم الباطلة. - وجوب اتصاف نصوص التشريع بالوضوح والتحديد: وضع التشريع ليخاطب الناس جميعاً على اختلاف مداركهم وثقافاتهم وأفهامهم، ولذلك كان من الواجب أن يتخير الشارع العبارة البسيطة السهلة الواضحة التى يفهمها كل الناس. "فلغة التشريع يجب أن تكون واضحة دقيقة. فاللغة المعقدة تجعل القانون مغلقاً، كما أن اللغة غير الدقيقة تجعل القانون مبهماً. ويجب أن يكون للتشريع لغة فنية خاصة به، يكون كل لفظ فيها موزوناً محدود المعنى. ولا يجوز أن يتغير معنى اللفظ الواحد باستعماله فى ظروف مختلفة. كما أنه إذا عبر عن معنى بلفظ معين، وجب ألا يتغير هذا اللفظ إذا أريد التعبير عن هذا المعنى مرة أخرى. ولا يتنافى أن تكون لغة التقنين غنية وأن تكون بسيطة تنزل إلى مستوى الجمهور". وتقتضى صفة التحديد أن كل قاعدة قانونية يجب أن تنطوى على حل لمشكلة يثيرها النص، فكل قاعدة تتضمن بالضرورة الإجابة على سؤال ورد بها، فإذا ورد السؤال وانتفت الإجابة عليه أو كانت هذه الإجابة غير وافية أو تسمح بالتأويل والاستنتاج كان النص غير محدد. وتكتسب هذه الصفات أهمية كبيرة فى نظر القانون الجنائى: ذلك أن هذا القانون يسوده مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذى يوجب أن تتصف نصوص التجريم بالوضوح وأن تبعد عن الغموض والالتباس. فلا يكفى أن ينص الشارع على إجراء معين ينال من الحرية الشخصية؛ وإنما يجب أن يكون هذا النص واضح الدلالة على نحو يكفل التحديد الدقيق لماهيته، أما النص على جواز اتخاذ إجراء ينطوى في حقيقته على مساس بالحرية الشخصية يشوب تحديده الإبهام والغموض فإنه يكون مناف لأصول الشرعية الجنائية. والوضوح نقيض الغموض، ويكون النص الجنائى وخاصة في مجال الإجراءات الجنائية غامضاً "إذا جهل المشرع بالإجراءات التى أجازها، فلا يكون بيانها واضحاً جلياً ولا تحديدها قاطعاً أو فهمها مستقيماً؛ بل مبهماً خافياً على أوساط الناس، باختلافهم حول فحوى النص ودلالته ونطاق تطبيقه وحقيقة ما يرمى إليه، ليصير إنفاذ هذا النص مرتبطاً بمعايير شخصية مرجعها إلى تقدير القائمين على تطبيقه لحقيقة محتواه، وإحلال فهمهم الخاص لمقاصده محل مراميه الحقيقية وصحيح مضمونه". - إشكالية الدراسة: كان الشارع ينص في المادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية على جواز القبض على المتهم الذى تتوافر دلائل كافية على ارتكابه جناية ما أو جنحة من الجنح التى حددها الشارع، ثم بمناسبة وضع دستور سنة 1971 والذى لم يجز نص المادة 41 منه المساس بالحرية الشخصية بالقبض أو وضع قيد على الحرية أو المنع من التنقل إلا إذا توافرت حالة من حالات التلبس أو صدر أمر من القاضى المختص أو النيابة العامة لضرورة يستلزمها التحقيق ومصلحة المجتمع. وحتى يلتئم نص المادة 34، 35 من قانون الإجراءات الجنائية، مع نص الدستور سالف الذكر فقد تم استبدالهما وأجازت الفقرة الثانية من المادة 35 اتخاذ مأمور الضبط القضائى "الإجراءات التحفظية المناسبة" إذا توافرت ضد المتهم دلائل كافية على ارتكاب جناية أو جنحة من الجنح التى حددها النص على سبيل الحصر، وأن يطلب مأمور الضبط من النيابة العامة إصدار أمر بالقبض على المتهم. وهنا يثور التساؤل عن ماهية إجراء "التحفظ على المتهم"، فما المقصود بهذا التحفظ، وهل يمتد إلى تقييد الحرية والمنع من التنقل، وهل يتحد فى جوهره مع القبض؟، أم أن التعبيرين يختلفان ولا يعدو التحفظ أن يكون إجراءً وقائياً لا يستطيل إلى سلب الحرية أو تقييدها؟ ويثور التساؤل عن مدى تعارض ما تنص عليه المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية من التحفظ على الشخص في غير حالات التلبس وبدون أمر قضائى، مع ما ينص عليه الدستور السابق والحالى؟، ثم يثور التساؤل كذلك عن وجهة قضاء محكمة النقض ونظرته إلى المادة 35 سالفة الذكر، فهل اعتبرت المحكمة أن هذا النص يتفق مع الدستور ومن ثم فهو واجب التطبيق؛ أم أن هناك بعض الأحكام التى أصدرتها المحكمة وانتهت فيها إلى عدم دستورية هذا النص؟، وما الأسباب التى استندت إليها المحكمة في هذا القضاء؟ وتثير الدراسة التساؤل أيضاً عن مدى دستورية ما نص عليه الشارع في المادة 40 من قانون مكافحة الإرهاب من جواز تحفظ مأمور الضبط القضائى على الشخص لمدة أربع وعشرين ساعة يجوز مدها بقرار من النيابة العامة لمدة أربعة عشر يوماً، فهل يستقيم هذا التحفظ ومده مع نصوص الدستور؛ أم أنه يتصادم معه؟. وأخيراً فإن الدراسة تطرح تساؤلاً عن مدى صواب خطة الشارع المصرى في استخدام مجموعة من التعبيرات كالقبض والتحفظ والاستيقاف والتعرض المادى والإجراءات التحفظية وسؤال المتهم ثم تقييد حريته لحين العرض على جهة التحقيق، وهذه التعبيرات تختلف فيما بينها من حيث الأثر القانونى؛ إلا أنها جميعاً تتفق في أن جوهرها هو سلب حرية الشخص أو تقييد هذه الحرية فترة من الوقت، فهل إجازة الشارع لبعض الإجراءات التى حملت أسماً دون القبض من شأنه أن يسبغ الشرعية عليها؛ أم أن العبرة في صيانة الحرية تكون بجوهر الإجراء ومعناه، لا بلفظه ومبناه؟، ثم هل تتماثل خطة الشارع المصرى مع النظم الإجرائية العريقة التى تنص على صيانة الحرية وأحوال المساس بها؟، وعلى الرغم من أن الدراسة ليست مقارنة، فإنه لا بأس من الإشارة إلى أحد التشريعات المقارنة في خاتمة الدراسة حتى نستطيع الوقوف على تقدير خطة الشارع، وما إذا كانت قد صادفت الصواب؛ أم أنها تحتاج إلى مراجعة دقيقة وشاملة؟ خاتمة الدراسة 1-استخدام الشارع العديد من التعبيرات المختلفة ومغايرته في آثارها رغم اتحادها في سلب الحرية الشخصية بما ينال من أسس اليقين التشريعى ويؤدى إلى تضارب الأحكام استخدم الشارع العديد من التعبيرات في نصوص التشريعات تتحد جميعها في جوهرها وهو المساس بالحرية الشخصية وفرض قيود عليها وعلى حرية التنقل؛ وعلى الرغم من ذلك فإن الشارع لم يعتبر بعضها قبضاً، وأخرجها من مدلوله، ورتب على ذلك جواز المساس بالحرية بدون توافر حالة من خالات التلبس أو صدور أمر مسبب من جهة التحقيق. وبيان ذلك أن الشارع قد استخدم في قانون الإجراءات الجنائية تعبيرات: القبض ، الحجز، الحبس، التعرض المادى، والإجراءات التحفظية، التحفظ على المتهم بعد سؤاله لعرضه على جهة التحقيق، واستخدم قانون مكافحة الإرهاب تعبير "التحفظ على المتهم"، وأضاف القضاء تعبير "الاستيقاف" الذى لم يرد النص عليه في أى تشريع، وتوسعت بعض المحاكم في إعماله، بحيث شمل تقييد الشخص واقتياده إلى قسم الشرطة. وبينما نص الشارع على أن "القبض" وما يستطيل إليه من حجز أو حبس هو وحده الذى يجب أن يجرى بناء على توافر حالة التلبس أو أمر مسبب من جهة التحقيق، استجابة للقيد الدستورى؛ فإن بقية التعبيرات السابقة لم يتطلب الشارع اتخاذها بناء على توافر حالة التلبس أو صدور أمر قضائى. وذلك على الرغم من أن جوهر هذه الإجراءات أنها تتماثل مع القبض تماثلاً تاماً، إذ أنها تنطوى على تقييد حرية الشخص ووضع قيود على حريته في التنقل، وحرمانه من الحرية فترة من الوقت. فما الذى يعنيه "التحفظ على المتهم" من منعه من الحركة أو اقتياده عنوة إلى قسم الشرطة، فهذه الأفعال هى القبض بعينه، ولا يمكن أن نصف بعض هذه الأفعال تارة بأنها القبض، وتارة أخرى بأنها مجرد إجراءات تحفظية، فهذه الإجراءات جوهرها تقييد الحرية، وهى تعتبر قبضاً. واللغة التى استخدمها الشارع لا تتصف بالدقة وتجعل القانون مبهماً. ومن المقرر أن كل لفظ يتضمنه التشريع يجب أن يكون موزوناً محدود المعنى. ولا يجوز أن يتغير معنى اللفظ الواحد باستعماله فى ظروف مختلفة. كما أنه إذا عبر عن معنى بلفظ معين، وجب ألا يتغير هذا اللفظ إذا أريد التعبير عن هذا المعنى مرة أخرى. وهذه القواعد التى تعتبر من أصول الشرعية الجنائية وتتصل بفكرة اليقين الذى يجب أن يتصف به التشريع، قد خالفها الشارع، وقد ترتب على هذا اختلاف القواعد التى تطبق على سلب الحرية، رغم وحدة المركز القانونى ومساس الفعل بالحرية. وترتب على خطة الشارع كذلك أن سادت التشريعات المختلفة تعبيرات ليس لها مدلولها الحقيقى، فالتحفظ على الشخص ليس قبضاً، واقتياده ليس قبضاً، ومنعه من التنقل ليس قبضاً، فكيف تسمى إذن هذه الأفعال؟ وقد أفضت هذه الخطة التشريعية إلى تضارب الأحكام القضائية رغم تماثل الوقائع المعروضة على المحاكم، وإلى اختلاف التأويل للنصوص، وتعدد تفسيراتها، بما أضفى غموضاً عليها، وجعل تطبيق النص متروكاً لكل قاض، بحسب رؤيته، وثقافته القانونية، وميوله الشخصية، وهو ما جعل تطبيق القانون تحكمياً لا يستند إلى اعتبارات موضوعية. ولا أدل على ذلك من أن هناك اتجاهاً مهماً في قضاء محكمة النقض اتجه إلى القول بعدم دستورية نص المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية، وأنه تعتبر متعارضة مع نصوص الدستور، ورتب على ذلك عدم جواز تطبيقها. بينما لم تر دوائر أخرى التصدى لمدى دستورية النص، وآثرت دوائر ثالثة التوصل إلى إبطال الأحكام التى اعتدت بهذه الإجراءات لأسباب تتصل بتسبيب هذه الأحكام. 2- الشارع استخدم تعبير الإجراءات التحفظية حتى يجعل نصوص التشريع متفقة ظاهرياً مع الدستور: سبق أن ذكرنا أن تعبير "الإجراءات التحفظية" على الأشخاص قد ظهر لأول مرة بمناسبة تعديل نص المادتين 34، 35 من قانون الإجراءات الجنائية بقانون ضمان حريات المواطنين لسنة 1972 سالف الذكر، وأن الشارع كان يجيز القبض على الشخص الذى تتوافر دلائل كافية على اتهامه في جناية ما، أو جنحة من الجنح المنصوص عليها حصراً. وإذا كان الشارع قد حصر القبض على الأشخاص في حالتى التلبس والأمر القضائى، فإن ذلك يعنى أن الإجراءات التحفظية تخرج عن مدلول القبض بالمعنى الدقيق، لأنه يجوز اتخاذها بمجرد توافر الدلائل الكافية، ودون توافر حالة من حالات التلبس أو أمر قضائى. وقد كان جائزاً قبل صدور دستور سنة 1971 وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية، القبض على الشخص في الجنايات وبعض الجنح وفى حالات أخرى عديدة بمجرد توافر الدلائل الكافية على الاتهام، غير أن ذلك قد أدى إلى العصف بالحرية واتساع حالات المساس بها، وأنه عند وضع نص المادة 41 من دستور سنة 1971 التى حرمت المساس بالحرية إلا في حالتى التلبس والأمر المسبب الصادر من سلطة التحقيق، كان ذلك موجباً إلى إعادة النظر في المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية، فلجأ الشارع لأول مرة للنص على تعبير "الإجراءات التحفظية" بموجب القانون رقم 37 لسنة 1972 بشأن ضمان حريات المواطنين بتعديل المادتين 34، 35 من قانون الإجراءات الجنائية. فأجاز لمأمور الضبط القضائى أن يصدر أمراً بالتحفظ على المتهم، أو إحضاره في حالة توافر الدلائل الكافية، وأطلقت عليه المذكرة الإيضاحية للقانون سالف الذكر بأنه إجراء وقائى يختلف عن الضبط أو القبض وأنه لا يعتبر قبضاً بالمعنى القانونى وليس فيه مساس بحرية الفرد، اذا أن هذه الحرية يجب أن يزاولها فى الاطار الاجتماعى للمصلحة العامة. وفى تقديرنا أن ما ورد بالمذكرة الإيضاحية هو محل نظر، ذلك أن تقييد حرية الشخص ومنعه من التنقل يدخل في مدلول القبض، كما أن المادة 41 من الدستور السابق والمادة 55 من الدستور الحالى قد ورد نصها صريحاً بما لا يجوز معه القول بأن التحفظ على الشخص ليس قبضاً، وأنه ليس فيه مساس بحرية الفرد، فالتحفظ يعنى بطريق اللزوم المنع من التنقل ووضع قيود على الحرية لحين صدور الأمر بالقبض. وأما الإشارة إلى أن مزاولة الحرية يكون في "الإطار الاجتماعى للمصلحة العامة"، فهى عبارة مرسلة لا معنى لها، فحرية الفرد هى مصلحة اجتماعية جديرة بالاعتبار، ولولا أنها كذلك، لما كان الدستور قد أسبغ عليها حمايته، ولما خصها بالنص المفصل وبين صور المساس بها. والحقيقة، فإن الشارع قد فطن إلى أن إعادة النص في المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية على جواز القبض على الأشخاص في حالة توافر الدلائل الكافية على اتهامهم في جناية ما أو جنحة من الجنح المنصوص عليها حصراً، يجعل النص غير دستورى، فلجأ في البداية إلى تغيير لفظ القبض إلى تعبير "الإجراءات التحفظية"، حتى يُظن أن التعبيرين مختلفان، ثم أورد في المذكرة الإيضاحية أن التحفظ على الشخص لا يعنى القبض عليه، وهو مجرد تغيير ظاهرى للنص لا يترتب عليه تغيير في مضمونه، إذ يبقى التحفظ على الشخص بمثابة القبض وينطوى على تقييد الحرية ويتضمن منعاً من التنقل. واللجوء إلى التغيير الظاهرى في الألفاظ دون تغيير في المعنى، أمر لا يستقيم مع أصول التشريع، فالنص القديم كان يسمى الإجراء بناء على الدلائل الكافية "قبضاً"، ولن يتغير مضمون الإجراء إلى أطلقنا عليه تعبير "الإجراءات التحفظية"، ولا يستقيم مع الوضوح التشريعى واحترام نصوص الدستور أن يكون التغيير في النص ظاهرياً حتى يسلم من شائبة عدم دستوريته. 3-تقدير خطة الشارع في شأن التحفظ في قانون مكافحة الإرهاب: بموجب نص المادة 40 من قانون مكافحة الإرهاب فقد أجاز الشارع قيام مأمور الضبط القضائى بالتحفظ على الأشخاص لمدة أربع وعشرين ساعة، كما أجاز للنيابة العامة أن تأمر باستمرار التحفظ على الشخص مدة كانت لا تجاوز سبعة أيام، ثم صارت بناء على تعديل تشريعى مدة أربعة عشر يوماً، وذلك إذا قام خطر من أخطار جريمة إرهاب، ولضرورة مواجهة هذا الخطر. وقد كشفت الدراسة على أن هذا النص محل نظر ويشوبه عيب عدم الدستورية، فالشارع لم يستوجب لاتخاذ إجراء التحفظ أن تقع جريمة من جرائم الإرهاب بالفعل؛ بل نص على اتخاذ هذا الإجراء إذا قام مجرد خطر من أخطار جريمة الإرهاب، وهذا الخطر يعنى أن الجريمة لم تقع بعد؛ وإنما هى على وشك الوقوع. ويستفاد ذلك من قول الشارع من وجوب توافر ضرورة تقتضيها مواجهة هذا الخطر. وأن عبارة "خطر من أخطار جريمة الإرهاب" هى أوسع نطاقاً من التحضير لارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب، وعلة ذلك أن الشارع عاقب على التحضير أو الإعداد للجريمة بوصفها جريمة تامة، حتى ولو لم يتعد عمله الإعداد أو التحضير لها. وأن تقدير قيام الخطر والضرورة التى تقتضيها مواجهته هو أمر يستقل مأمور الضبط القضائى بتقديره، وهو أمر بالغ الأثر على الحريات. وفى تقديرنا أن الشارع قد خلط بين التدابير الإدارية التحفظية التى تقتضى منع حدوث الجريمة والحيلولة دون وقوعها؛ وبين الإجراءات التى تتخذ عقب ارتكاب جريمة وتدخل ضمن أعمال الضبط القضائى. وأنه لا يوجد فرق من الناحية الواقعية بين التحفظ على الشخص والقبض عليه، فكلاهما ينطوى على تقييد حرية الشخص، وإن كان القبض أوسع نطاقاً. وأنه كان يجب على الشارع أن ينص على وجوب توافر دلائل كافية أو شبهات قوية على مساهمة هذا الشخص في جريمة من جرائم الإرهاب، وهذه الجرائم يتسع نطاقها على نحو كبير بحيث تشكل التحضير والتحريض والمساعدة والاتفاق حتى ولو لم يكن متبوعاً بأثر. غير أن الشارع لم يقيد سلطة التحقيق بأى قيد سوى أن تتحقق من توافر الخطر من وقوع جريمة -لم تقع أصلاً- وأن ضرورة مواجهة هذا الخطر تقتضي استمرار التحفظ على الشخص. وقد أظهرت الدراسة أن الشارع بنصه على استمرار التحفظ على الشخص فى هذه الحالة بقرار مسبب يصدر من درجة محام عام على الأقل أو ما يعادلها، ولمدة لا تجاوز أربعة عشر يوماً يجوز مدها لمرة واحدة. قد فاته أن هناك فرقاً مهماً بين درجة مصدر الأمر، وبين الشروط الموضوعية لإصدار الأمر، فلا يغنى الأول عن الثانى، وليس في صدور الأمر من محام عام، ما يحصن الأمر الذى يفتقد للحدود الدنيا من الضوابط الموضوعية، وليس لشخص مصدر الأمر صلة بموضوع الأمر ذاته. وفي تقديرنا أن إجراء التحفظ الذى نص الشارع عليه في المادة 40 من قانون مكافحة الإرهاب سالف الذكر يتعارض مع نص المادة 54 من الدستور والتى نصت في فقرتها الأولى على أن: "الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق". وهذا النص يستوجب إما وقوع جريمة في حالة تلبس؛ وإما أن تقع جريمة ويستلزم التحقيق تقييد حرية شخص، ففى هذه الحالة يصدر هذا التقييد بأمر قضائى مسبب. ومن أصول الشرعية الجنائية أن وقوع الجريمة ابتداء هى السند في فتح تحقيق في الواقعة، فإن انتفى عن هذه الواقعة صفة الجريمة، لم يكن لسلطة التحقيق أن تمضى فيه. وإذا تحققت سلطة التحقيق من وقوع جريمة أو ثارت شبهة قوية في وقوعها، فإن سند اتخاذ هذه السلطة إجراءات مقيدة للحرية هو وجود دلائل كافية أو شبهات قوية على مساهمة الشخص في هذه الجريمة. وهذه الأصول التى تشكل أساساً للشرعية الجنائية قد خالفها الشارع: فهو لم يتطلب وقوع جريمة من جرائم الإرهاب؛ بل اكتفى بخطر وقوعها. ولم يتطلب توافر قرائن أو دلائل أو شبهات من أى نوع ضد شخص المتحفظ عليه. وهو ما يؤدى إلى جواز التحفظ على الشخص لمدة تصل إلى خمسة عشرة يوماً دون ضرورة من ضرورات التحقيق، أو حتى التحقق من وقوع جريمة من الجرائم التى نص عليها الشارع في قانون مكافحة الإرهاب، ودون رقابة قضائية تذكر. وإذا أضفنا إلى ما سبق أن تحديد الشارع لماهية جريمة الإرهاب يتسم بالتوسع الشديد، سواء في نطاق التجريم، أو في مضمون الجرائم التى ينص الشارع عليها، بما يجعل إجراءات التحقيق شديدة الوطأة في ذاتها، إذ يسمح هذا التوسع في نطاق التجريم بتوسع مماثل في إجراءات الاتهام والتحقيق، فإذا كان هذا هو شأن إجراءات التحقيق، فإن إجراءات التحفظ تتسم بتوسع لا نظير له، وهى تتعارض -في تقديرنا-مع نصوص الدستور.

الملفات المتوفرة