الحياة الخاصة للفرد لازمة من لوازم الحياة الإنسانية، وهى الشرط لممارسة غيرها من الحقوق والحريات ، وهى السبيل إلى برهنة المرء لشخصيته فى المجتمع، وإلى أن يحظى بقدر من الحرية التى ينأى بها عن تدخل الآخرين، ويتحقق له كفالة حمايتها من تدخل سلطة الدولة والمجتمع والغير. ومن ناحية أخرى فإن حرية التعبير بصورها المختلفة هى إفصاح عن الشخصية الإنسانية فى المجتمع ، وهى الضمان الذى يقوم عليه أى مجتمع ديمقراطى حر. وقد أفضى انتشار وسائل الإعلام والمرئية والمقروءة، والتنافس فيما بينها على الخوض فى تفاصيل الحياة الخاصة للأفراد، سعياً وراء تحقيق سبق صحفى، واجتذاب أكبر عدد من الجمهور إلى التنقيب فى الحياة الخاصة للأفراد وكشف أسرارها. ويتفق ما ينشر من أسرار الحياة الخاصة لبعض الأفراد مع نزعة الفضول التى تجعل النقائص الأخلاقية للآخرين وتتبع سوءاتهم مثيرة لاهتمام القراء أكثر من الأفعال الفاضلة. وقد استخدم نشر أسرار الحياة الخاصة كأحد الأسلحة السياسية فى التشهير بالخصوم ، والتنكيل بهم بقصد إضعاف شعبيتهم والنيل منهم. وقد أدى ظهور النظم التسلطية إلى إزالة الحدود بين ما يدخل فى نطاق الحياة الخاصة للفرد، وبين المجال الذى يجب أن تقف عنده سلطة الدولة عند ممارسة سلطاتها. وقد أدى التقدم العلمى إلى التأثير فى الحياة الخاصة من وجهين: الأول هو استحداث وسائل للتجسس على الأسرار وسهولة الحصول عليها وذيوع استخدامها، وهو ما أدى إلى سهولة التنقيب عن الأسرار وكشفها. والثانى: إن التقدم العلمى قد أدى إلى استحداث وسائل جديدة للنشر والإعلام ونقل المعلومات لم تكن موجودة من قبل، وهو ما أدى إلى زيادة عدد من يطلع على الأخبار زيادة كبيرة فضلاً عن سرعة تداول هذه المعلومات. وقد ساهم الصراع الاقتصادى والمنافسة الحادة كذلك بدور فى أزمة الحياة الخاصة: فتحقيق السيطرة فى المجال الاقتصادى، والخروج من دائرة الركود التجارى، قد أدى إلى استخدام سلاح التنقيب فى الحياة الخاصة للمتنافسين ومحاولة التشهير بهم. وقد تفضى حرية التعبير إلى أن يكون ما تنشره الصحافة حكماً بغير قضاء، وبغير دعوى، وبدون دليل، وبلا إمكانية للشخص فى الدفاع عن نفسه، وهو ما قد يعرض حقوق الأفراد وحرياتهم للخطر، وعلى الأخص حقهم فى حرمة حياتهم الخاصة. إن حرية التعبير عن الرأى هى إحدى الحريات الدستورية المسلم بها. ولكن هذه الحرية ليست مطلقة؛ بل تحدها بعض القيود، وأهم هذه القيود احترام الحياة الخاصة للأفراد. وقد ذهب القضاء المقارن فى تأصيل الصلة بين حرية التعبير وحرمة الحياة الخاصة إلى أن "حرية تبادل الأفكار والآراء هى قاعدة أساسية لها قيمة دستورية دخلت إلى حيز التطبيق منذ الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ولا يحدها قيد إلا فى الأحوال التى تنطوى على إساءة استعمال لهذه الحرية والمنصوص عليها فى القانون". وقد ذهبت المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية إلى أن حرية التعبير عن الرأى لها أولوية على سائر الحقوق العامة المتصلة بالشخصي ، وعلى الأخص الحق فى الشرف والاعتبار. وتحقيق التوازن بين حق المجتمع فى إعلام الجمهور بالأمور التى تهمه ، وحق الفرد فى حماية حياته الخاصة هو أمر يتوقف عليه نجاح السياسة التشريعية فى النظام القانونى. ويتسم البحث فى الصلة بين الصحافة والحياة الخاصة بالدقة، ذلك أن فكرة الحياة الخاصة ليست محل اتفاق فى الرأى إذ اختلفت الآراء فى تحديد مضمونها اختلافاً كبيراً، وهذا الاختلاف فى المضمون يؤدى إلى ضيق أو اتساع الحق فى الإعلام بالنسبة لها. ومن ناحية أخرى فإن مدلول الحياة الخاصة فى القانون الجنائى قد يختلف عن غيره من القوانين، ولا سيما القانون المدنى. كما يتميز تجريم المساس بها بالحداثة النسبية فى خطة التشريعات المقارنة. وهل يضيق نطاق هذا الحق بالنسبة للشخصيات العامة كالسياسيين وغيرهم، على نحو يكون من حق الجمهور أن يقف على ما يدور في حياتهم الخاصة على نحو أكثر من غيرهم من الأشخاص العاديين؟. وتثير الدراسة التساؤل عن ماهية الحق فى الحياة الخاصة الذى يمتنع عن الصحافة المساس به ، وما هى عناصر هذا الحق ونطاقه، وما هى الأفعال التى تنال منه، وما هى خطة التشريعات المقارنة فى النص عليها، وهل نجحت هذه الخطة فى كفالة هذا الحق؟.

عذرا، لا يوجد ملفات!