لا شك في أن التقدم العلمي في مجال الجينات الوراثية والتكنولوجيا الحيوية قد أصبح حقيقة ملموسة. غير أن هذا التقدم وما يصاحبه من تجارب علمية وطرق بحثية ونتائج لها أهميتها، قد يؤدى إلى تعارض محتوم مع الكثير من المبادئ القانونية والتي تقف حاجزاً يشكل الحدود المقبولة قانوناً لهذا التقدم. وإذا كان التقدم العلمي وما يصاحبه من حرية للبحث العلمي ضرورة اجتماعية، فإن هذا التقدم لا يجب أن يكون على حساب حقوق الأفراد وحرياتهم. ويجب على النظام القانوني في هذه الحالة أن يأخذ بعين الاعتبار هذا التقدم في مجال الجينات وأن يقترح الوسائل المختلفة في التوفيق بينه وبين المبادئ القانونية المستقرة وحقوق الأفراد. وتثير الدراسة العديد من التساؤلات: فما مدى الحاجة إلى تقرير حماية جنائية خاصة للمساس بالحق في الخصوصية الجينية؟، وما مدلول هذا الحق؟، وما هى الصلة بينه وغيره من حقوق؟. ويثير البحث أيضاً تحديد نطاق هذا الحق، وهو ما يقتضى تمييزه عما قد يختلط به من حقوق أخرى. ويثور التساؤل أيضاً عما إذا كانت الحماية المقررة لبعض الحقوق الأخرى كالحق في حرمة الحياة الخاصة والحق في صيانة الشرف والاعتبار وغيرها كافية لصيانة الحق في الخصوصية الجينية؛ أم أن هناك حاجة إلى تخصيص حماية مستقلة لهذا الحق؟. وإذا كان لكل حق حدوده، فما هى الحالات التي يجوز فيها المساس المشروع بهذا الحق؟، وما هي الأفعال التي تنال منه وتنطوي على مساس به؟. وما هي خطة التشريعات التي تفرد تشريعات خاصة لحماية الحق في الخصوصية الجينية في النص على تجريم هذه الأفعال؟، وما هو الوضع في التشريعات التي تخلو نصوصها من حماية خاصة لهذا الحق؟، وهل تكفى نصوص التجريم العامة الخاصة بجرائم أخرى لصيانته من الأفعال الماسة به؟. ويتصف موضوع البحث بقدر من الدقة: فهو يتناول بالدراسة بعض الجوانب القانونية لعلم الجينات، وهو علم يتسم بالحداثة وسرعة التطور، مع التسليم بأهمية النتائج التي يسفر عنها والتي وخطورة تأثيرها على الفرد والمجتمع. الأمر الذى يجعل من الصعب على علم القانون أن يتوقع هذه النتائج وأن يحيط بها وأن يضع لها التنظيم المناسب الذى يضمن كفالة حقوق الأفراد وحرية البحث العلمي. وقد أفضت حداثة الموضوع كذلك إلى غياب النصوص التشريعية في الكثير من الأنظمة القانونية ، وحتى بالنسبة للتشريعات أفردت نصوصها حماية خاصة للحق في الخصوصية الجينية فإن هذه النصوص تتصف-مع ذلك- بقلتها وندرة ما عرض على القضاء من وقائع توجب تطبيقها ، وقلة الكتابات الفقهية التي تناولتها بالدراسة. وقد أظهرت الدراسة الاعتبارات التي تدعو إلى إفراد الحق في الخصوصية الجينية بحماية جنائية مستقلة ، وأن هذه الاعتبارات ترجع إلى أهمية المعلومات الجينية واتصالها الوثيق بصميم حياة الفرد وصحته ومركزه الاجتماعي . وإلى أنه قد يساء فهمها بدرجة كبيرة خارج المجال الطبي والعلمي كما أنها ستغدو هدفاً يسعى أرباب العمل وشركات التأمين إلى الوصول إليه. وما يبرر إفراد حماية خاصة للخصوصية الجينية ما يرجع إلى منهج البحث العلمي ذاته في المجال الجيني وطبيعة المعلومات الناتجة منها. فإجراء هذه الدراسات يقتضى الوقوف على معلومات عن الشخص وأقاربه الذين يتوافر لديهم الجينات المسببة للمرض ، إذ ترجع غالبية الأمراض الوراثية إلى وجود خلل جيني. وإذا كانت بعض المعلومات الجينية تكون واضحة للعيان، ومن ثم فلا مجال للحفاظ على سريتها ؛ فإن هناك معلومات جينية أخرى تبدو أقل وضوحاً للآخرين ، مثل المتعلقة بمخاطر تطور العلل الصحية في المراحل المتأخرة من الحياة. ومعرفة هذه المعلومات قد يؤدى إلى تهديد الخصوصية الفردية والحرية الشخصية. ومن شأن حماية الخصوصية الجينية أن يكفل حصر سلطات الدولة في إطار محدد ، ذلك أنه أصبح بمقدور هذه السلطات أن تعرف الكثير من الأسرار الوراثية عن أي شخص بمجرد تحليل نقطة من دمه. وثارت أيضاً الكثير من التساؤلات عن إساءة الاستخدام المحتمل للمعلومات الجينية في مجال العمل والتأمين وفى المؤسسات التعليمية وأمام القضاء ، وهو ما ينال من الحقوق الفردية للشخص ومن حقه في المساواة. ومما يزيد من أهمية المعلومات الجينية أن مصدرها يبقى صالحاً دون اعتبار لمضى الزمن ، سواء بالنسبة إلى الشخص أو والديه وأقربائه. وقد ساهمت عدة اعتبارات في سهولة المساس بالخصوصية الجينية مثل: تطور تقنية الكومبيوتر؛ انتفاء الثقة العامة في أنظمة الحفظ الرسمية التي تضمن الخصوصية؛ عدم إحكام الرقابة الكافية على بنوك معلومات البصمة الوراثية ؛ مركزية حفظ المعلومات الطبية مما يسهل الاطلاع عليها ؛ الاتساع المحتمل في استخدام المعلومات المخزنة فيما يجاوز الغرض الأصلي الذى حفظت من أجله. وأوضحت الدراسة أنه إذا لم يتم كفالة حماية الخصوصية الجينية فإن كثيراً من الأفراد سيخشون من استغلال هذه المعلومات ضدهم أو ذويهم، وفى هذه الحالة قد يرون أن المنفعة المحتملة الناتجة من إجراء الفحص الجيني قد لا تساوى الخطر الناجم منه ، وعندئذ سيقررون عدم القيام بمثل هذا الفحص. وهو من شأنه أن يحرمهم من الفوائد الطبية التي يمكن تصورها، ويحرم العلم كذلك من ثمارها. الأمر الذى يبرر جميعه وجوب النص على حماية جنائية مستقلة للحق في الخصوصية الجينية. وقد دلت الدراسة على أنه رغم وجود تشابه ونقاط التقاء بين الحق في الخصوصية الجينية وبعض الحقوق المشمولة بحماية الشارع: كالحق في حرمة الحياة الخاصة والحق في الشرف والاعتبار والحماية المقررة للأسرار وللمعلومات ؛ إلا أن التحليل الدقيق أظهر عدم التطابق في المدلول وفى نطاق الحماية بين الحق في الخصوصية الجينية وبين هذه الحقوق ، وأن الحماية المقررة لهذه الحقوق لا تكفى لحماية الحق في الخصوصية الجينية. وقد دعت الدراسة إلى وضع الضوابط القانونية للحالات التي يجوز فيها الحصول على العينة الجينية أو حفظها أو تحليلها وشروط الإذن بذلك. وبيان حقوق الأفراد على هذه العينات وما ينتج عن تحليلها من معلومات، وأنه يجب وضع شروط لرضاء الشخص سواء لأخذ العينة أو تحليلها أو لكشف المعلومات الناتجة عن تحليلها. وقد تناولت الدراسة أهم الحالات التي يجوز فيها المساس بالحق في الخصوصية الجينية وهى صدور أمر قضائي والكشف للأغراض العلمية والضرورات الطبية وفى بعض الحالات في مجال العمل. وقد دعت الدراسة إلى إن إفشاء المعلومات الجينية في هذه الحالات يجب أن يكون مقيداً بأن يكون في إطار الحد الأدنى الضروري منها وبالقدر اللازم للغرض الذى كشفت هذه المعلومات من أجله. وأن يوازن الشارع بين مقدار الضرر الذى يلحق للأفراد من هذا الإفشاء ، ومدى النفع العائد على المجتمع من ذلك. وقد اقترحت الدراسة تأصيلاً للأفعال الماسة بالحق في الخصوصية الجينية بردها إلى طوائف ثلاث: الأولى تتعلق بالأفعال التي تقع على المادة الجينية ذاتها سواء من حيث الحصول عليها وتحليلها وإتلافها، أو من حيث التصرف غير المشروع فيها ، والثانية تتعلق بإفشاء المعلومات الناتجة عن التحليل الجيني، والثالثة تتصل باستخدام هذه المعلومات على نحو يؤدى إلى التمييز. وقد أظهرت الدراسة أنه حتى في الأنظمة التشريعية التي أفردت نصوصاً خاصة لحماية الخصوصية الجينية ، فإن هذه النصوص لا تشمل سائر صور الاعتداء على الحق في الخصوصية ، ولا تكفل حماية مناسبة له. وقد حاولت الدراسة تطبيق النصوص العامة التي تجرم أفعال السرقة على أفعال الاستيلاء على المادة الجينية ، وأظهرت أن قيام الجاني بالحصول بالقوة على عينة من المادة الجينية للمجنى عليه يوفر جريمة السرقة بالإكراه لما لها من طبيعة مادية ، وهى بانفصالها عن الجسم تكتسب صفة المنقول. وقد استبقت الدراسة تناول بعض الصعوبات التي يمكن أن تثور نتيجة تطبيق هذه النصوص ومنها حصول الجاني على المادة الجينية التي تخلى عنها المجنى عليه ، وكذلك نية تملك العينة لدى الجاني واقتصاره على تحليلها للحصول على ما ينتج من معلومات. وأوضحت الدراسة أن صورة التصرف غير المشروع في العينة الجينية تتسع لتشمل ثلاث طوائف من الأفعال: الأولى هي فحص العينة دون رضاء صاحبها ، والثانية هي إتلاف وتزييف العينة ، والثالثة هي التعامل غير المشروع في العينة. وأنه إذا كانت بعض التشريعات التي تجرم الاعتداء على الخصوصية الجينية قد نصت على تجريم فعل فحص العينة أو تحليلها دون رضاء المجنى عليه ؛ فإنه لا يوجد في النصوص العامة ما يدرج هذين الفعلين تحت طائلة التجريم. وهو ما يشكل نقصاً تشريعياً في مجال حماية الحق في الخصوصية الجينية، حاولت بعض التشريعات المقارنة تداركه. وأبانت الدراسة أن التشريعات التي تجرم الاعتداء على الخصوصية لا تنص على تجريم أفعال التعامل والتي تشمل أفعال البيع والشراء والاتجار والتنازل والوساطة، وهو ما يعد نقصاً تشريعياً في حماية هذا الحق؛ غير أن اتجاهاً تشريعياً حديثاً بدأ في تجريم بعض هذه الأفعال. وأما النصوص العامة ، فلا يوجد فيها ما يجرم أفعال التعامل في المادة الجينية ؛ إلا أن تكون هذه المادة متحصلة من جريمة سرقة ، فتدخل في هذه الحالة في النص الذى يجرم إخفاء الأشياء المسروقة أو المتحصلة من جناية أو جنحة. وقد تناولت الدراسة جريمة إفشاء المعلومات الجينية التي نصت عليها بعض التشريعات التي تحمى الخصوصية الجينية. وأظهرت انتفاء الحماية للمعلومات الجينية الخاصة بالشخص والتي توجد تحت يد الشركات أو الهيئات أو حتى الأفراد من أن يعاد استخدامها لغرض آخر، وأن كثيراً من التشريعات لا ينص حظر إعادة استخدام العينة لغرض آخر. وقد أظهرت الدراسة أنه لا يوجد تشريع مقارن ينطوي على حماية شاملة من التمييز الجيني. وأن خطة التشريعات تختلف من حيث شمولها لصور التمييز ومدى الحماية التي تكفلها، وتختلف كذلك في أي من التشريعات التي ينص فيها على هذه الحماية. وخلصت الدراسة إلى الحاجة إلى إصدار تشريع يكفل الحماية الجنائية للحق في الخصوصية الجينية ، وأن ينص فيه على تحديد ضوابط إباحة المساس بهذا الحق الجرائم التي تنال منه.

الملفات المتوفرة