يشكل الفساد التحدى الأكبر للتنمية، ولما كانت هذه التنمية ترتبط بالاستثمار الذى يشكل ركيزة مهمة لها، فإن الصلة تبدو وثيقة بين الفساد والاستثمار. ويترتب على الفساد استنفاذ جانب مهم من النفقات العامة، وإلى تبديد ثروات الدولة وممتلكاتها، وقد يؤثر على مستقبل الأجيال القادمة. ويؤدى كذلك إلى سوء إدارة المرافق العامة، لأن إسناد إقامتها سيكون وفق اعتبارات لا صلة لها بالموضوعية والنزاهة. ويشكل الاستثمار أحد الأدوات الأكثر أهمية للنمو ومكافحة الفقر والبطالة. وقد أظهرت الدراسة أنه على الرغم من أن الشارع المصرى حاول أن يقيم توازناً بين مكافحة الفساد وبين تشجيع الاستثمار مستثمرين؛ إلا أن السياسة الجنائية التى اختطها لم تحقق هذا التوازن من عدة جوانب: فقد دلت الدراسة على أن الشارع بالتعديلات التى استحدثها بالقرار بقانون رقم 82 لسنة 2013 قد خرج على القاعدة الأصولية التى تجعل لقانون المزايدات والمناقصات الأولية فى التطبيق على العقود الإدارية، فقد أصبح قانون المزايدات والمناقصات قانوناً احتياطياً لا يرجع إليه إلا إذا خلا قانون الجهة العامة من نص ينظم هذه التعاقدات، وأن الشارع قد وسع من دائرة تطبيق هذه النصوص لتشمل اللوائح الصادرة بناء على قوانين أو قرارات إنشاء أو تنظيم هذه الأجهزة. وأن وجهة الشارع فى زيادة قيمة المبالغ التى يجوز التعاقد عليها بالأمر المباشر هى وجهة محل نظر: فهذه التعاقدات تتم دون وجود رقابة تذكر على شخص من أجراها، ويستقل بتقدير مدى توافر الحالة العاجلة التى تبرر اتخاذها. وهى تنطوى على إخلال بتكافؤ الفرص والشفافية، كما أنها لا تضمن أن يحقق هذا التعاقد مصلحة الجهة الإدارية. وأن خطة الشارع ستؤدى إلى إجازة التنازل عن تنفيذ التعاقد إلى الغير، وهو ما يجعل نص قانون المزايدات الذى يحظر ذلك غير مطبق. وقد دلت الدراسة على أن وجهة الشارع في القانون رقم 32 لسنة 2014 بشأن تنظيم بعض إجراءات الطعن على عقود الدولة هى محل نظر: فالقانون قد قيد الطعن في عقود الدولة، إلا على أطرافها؛ بينما ليس لهؤلاء الأطراف مصلحة حقيقية في الطعن في هذه العقود. وسيترتب على تقييد نطاق الطعن أن العقود التى تبرم بالمخالفة للقانون، وتنال المال العام، ستكون بمنأى عن رقابة القضاء. وكشفت الدراسة عن أن وجهة الشارع من أحكام التصالح في جرائم المال العام بالقانون رقم 16 لسنة 2015 هى خطة محل نقد، لأن لجنة الخبراء التى تتولى التسوية لا تتوافر معايير موضوعية فى اختيارها ولا يتوافر لها الاستقلال الواقعى أو القانونى. وأن الشارع لم ينص على أية ضوابط موضوعية يلزم توافرها لإقرار التصالح؛ بل إنه لم ينص على وجوب رد المال المستولى عليه أو قيمته وقت رده. وأن الشارع لم يراع المعايير الدولية لمكافحة الفساد التى وقعت مصر عليها، وسوف يؤدى إقرار نظام التصالح فيها إلى زيادة وقوع هذه الجرائم رغم أن ما يقع منها بالفعل قبل إقرار هذا النظام كان يتجاوز كثيراً ما يضبط منها، وهو ما سيؤدى إلى عجز سلطات الضبط والتحقيق عن مكافحتها، وأن الشارع لا يجيز التصالح فى جرائم تقل أهميتها عن جرائم المساس بالمال العام. وأنه لم يستفد من خطة التشريعات المقارنة التى تجعل للقضاء رقابة على التسوية وتدخل فى صميم عمل القضاء. وأن جعل الموافقة على التسوية جوازية ما يجعل تطبيق التصالح انتقائياً وسيؤدى إلى التحكم ويخل بالمساواة بين الجناة. وأن النص على امتداد أثر التصالح إلى جميع المتهمين أو المحكوم عليهم"، يخل بقاعدة عدم الاستفادة من التصالح من لم يشارك فيه. وقد أظهرت الدراسة أن ما نص عليه الشارع من إجازة التصالح فى جرائم الاستثمار "برد الأموال والعقارات المستولى عليها بما يعادل "قيمتها السوقية وقت ارتكاب الجريمة"، إذا استحال ردها عيناً، هو نص محل نظر، ذلك أنه يعتد فى الرد بالقيمة السوقية وقت ارتكاب الجريمة؛ بينما كان يجب الاعتداد بهذه القيمة وقت الرد، لا وقت ارتكاب الفعل. وأن الشارع قد توسع فى مدلول المال العام توسعاً لا نظير له فى خطة التشريعات المقارنة، وقد انعكس ذلك على أموال البنوك المقدمة فى مجال الاستثمار: وقد أدى إشراف البنك المركزى باعتباره شخصاً اعتبارياً عاماً على أموال البنوك إلى اعتبار أموال كافة البنوك فى مصر أموالاً عامة فى تطبيق نصوص جرائم المال العام. وانتقدت الدراسة ضابط "الإشراف على المال"، بأنه يتسم بالغموض وعدم التحديد ولا يتفق مع أصول التجريم والعقاب. وقد أظهرت الدراسة عدم صلاحية جريمة تسهيل الاستيلاء على المال العام لحماية الائتمان المصرفى لأنها من الجرائم التى تنتمى إلى القالب الحر أو غير المحدد، ولا يصلح الأخذ بها فى جرائم المساس بالائتمان المصرفى. وأن السياسة الجنائية فى جرائم التهرب الضريبى هى محل نظر، ذلك أن هذه الخطة تسمح باتخاذ إجراءات الضبط والتحقيق ورفع الدعاوى الجنائية ضد الممولين لمجرد الامتناع عن أداء الضريبة الذى ينازع مصلحة الضرائب فى استحقاقها أو فى مقدارها، أو فى حال عدم الإفصاح فى الإقرار عن نشاط يرى عدم خضوعه للضريبة. وقد خلصت الدراسة إلى الحاجة الملحة لإنشاء جهاز قضائى يتكون من قضاة بالمعنى الدقيق يتمتعون بالاستقلال الوظيفى وتتوافر لديهم الكفاءة والدراية تكون مهمته تولى التحقيق فى الدعاوى الناشئة عن جرائم الاستثمار ومكافحة الفساد، وأنه يجب أن تخضع مرحلة التصرف في الأوراق إلى رقابة قضائية أعلى درجة. وأخيراً خلصت الدراسة إلى أن القانون المصرى بوضعه الراهن لم يستوف المعايير الدولية التى نصت عليها الاتفاقيات الدولية والعربية لمكافحة الفساد وتشجيع الاستثمار، وأنه يحتاج إلى تعديلات شاملة جوهرية سواء في خطته العامة أو في قواعده التفصيلية، على نحو يحقق به الشارع التوازن المفتقد بين تشجيع الاستثمار من جهة، ومكافحة الفساد من جهة أخرى، والذى يؤدى إلى تحقيق التنمية المنشودة. The Balance between Encouraging Investment And Combating Corruption (Summary) Corruption is a major challenge to development. Corruption undermines democracy and the rule of law. It leads to violations of human rights and distrust of public in government. Corruption hurts the poor disproportionately by diverting funds intended for development, undermining a government’s ability to provide basic services, feeding inequality and injustice, and discouraging foreign investment and aid. It is evident that corruption has also contributed to state failure. It has contributed to instability, poverty and the eruption of civil wars over resources in a number of countries. It is a dominant factor in driving fragile countries to state failure. Corruption is principally a governance issue, a challenge to democratic functioning. It is a failure of both institutions and the larger framework of social, judicial, political and economic checks and balances needed to govern effectively. Investment constitute one of the most important tool to development and combat poor and unemployment. “Good government” plays an important role in the development process, and “requires the highest standards of integrity, openness and transparency”. The main requisites for good governance include: political legitimacy for the state through democratic elections and transfer of power and an effective political opposition and representative government; accountability and transparency in the sharing of information; institutional control on spending decision; separation of powers; effective internal and external audit; effective means of combating corruption and nepotism; competence of public servants; impartial and accessible justice systems; and the absence of arbitrary government power. The State has a very important role connected to the investment through, license, permits, authorization and contract. A corruption system corresponds to a set of anomalies in the source, conditions of conclusion and terms of performance of a contract (public in particular), as well as in the personal and financial relationships of the various protagonists. According to the new amendment on the Law of State’s Contracts (Statute no.82 -2013), the Egyptian legislature enlarges the scope of the governmental actions and contracts by immediate and direct orders, abandon the normal procedures. According to the law of no. 32 -2014, the challenge before the administrative courts in the governmental contracts and actions is cancelled, except some few cases. A very important amendment in the criminal procedure law by the law 16-2015, which permits the settlement of any criminal case, irrespective of its gravity, related to the public property. The settlement is by governmental committee which has been chosen by the prime minister without any criteria. The committee is not legally independent and no regulations govern its work. If the council of minister accepts the recommendation of the committee of reconciliation, the Criminal Court should acquit the accused, even if the case is before the court of cassation. According to the new amendment, the reconciliation can be settled after the definitive court’s decision. The principal of the personal appearance before the High Courts (Crimes Courts) has been broken. There is no any kind of judicial or independent administrative review on the decision of reconciliation. The settlement extends to the perpetrators other than the part of the reconciliation. It also extends to any charge or qualification of the fact. The Egyptian legislature enlarges the scope of public property, to include all banks. As a result, the obtaining a finance from a bank to establish a farm may constitute a crime against public property, if the credit was without enough guarantees. The study criticizes the penal code criteria of “supervision of public person” to divert the property into public. The Court of Cassation considered the supervision of Central Bank of Egypt is enough to divert the property of private bank into the scope of public property. The criterion is vague and enlarges the concept of public property without real interest. Egyptian criminal procedure structure is in its most severe crisis since the adoption of concentration of powers by hand of Prosecution service which considered the “master of the pre-trial inquiry”. The Egyptian criminal system structure need a very deep reform especially in the field of combating corruption and encourage investments.

الملفات المتوفرة