للسياسة التشريعية وخاصة الجنائية دور مهم فى الحياة الاقتصادية ولا سيما فى مجال الاستثمار؛ غير أن هذا الدور يحتاج إلى اتساق فى السياسة الجنائية من ناحية، كما أنه يحتاج إلى وحدة المنهج من ناحية أخرى. فإذا لم تعبر السياسة التشريعية عن التطور الذى أصاب الحياة الاقتصادية ولم يحقق التوازن فى كفالة الاستثمار من جانب، والحفاظ على مصلحة المجتمع من جانب آخر، فإن تدخله فى الحياة الاقتصادية قد ينتج عنه المساس بالأسس التى تقوم عليها الحياة الاقتصادية ذاتها، ومن ثم فإن هذا القانون فى هذه الحالة لن ينجح فى أداء الدور المرسوم له. ولذلك فإنه يقع على عاتق الشارع أن يختط سياسة جنائية يستطيع بمقتضاها أن يستخدم سلطة الجبر الممنوحة له على نحو يحقق مصلحة المجتمع، ويكفل الأمان والاستقرار فيه، وهذه السياسة فى جانبها الموضوعى أو الإجرائى مبناها التوازن والدقة والمرونة والملاءمة. وإخفاق السياسة الجنائية فى ذلك من شأنه إلحاق الضرر الجسيم بمجموعة كبيرة من المصالح التى تنهض عليها فكرة الاستثمار. وتتسم الدراسة بأهمية عملية واضحة، ذلك أن السياسة التشريعية التى سيختطها الشارع في تحديد مدلول المال العام، ستؤثر في نطاق الجرائم التى تنال من هذا المال، ويترتب على ذلك آثار موضوعية وإجرائية مهمة، تتصل بتطبيق النصوص الموضوعية التى تجرم الاعتداء على هذا المال، بدلاً من النصوص التى تطبق على المال الخاص، ويترتب عليها كذلك سلطة القاضى في توقيع عقوبات تتصف بالشدة، ذلك أنها عقوبات مقررة للمساس بالمال العام، وليس الخاص. ومن ناحية أخرى فإن التوسع في مدلول المال العام يمكن أن يؤدى إلى تطبيق نصوص إجرائية تتعلق بإجراءات التحقيق والضبط والمحاكمة تتسم بشدتها وخطورة مساسها بالحريات؛ بخلاف الجرائم التى تنال المال الخاص. وتؤدى إجراءات الضبط والتحقيق والمحاكمة فى هذه الجرائم من آثار جسيمة على سوق المال وعلى إشاعة الاضطراب وعدم الثقة، وهو ما ينال من البيئة المستقرة التى يجب أن تتوافر للاستثمار. ويضاف إلى ذلك أن نظر بعض الدعاوى الجنائية أمام المحاكم قد أثار بعض المسائل القانونية المهمة فى نطاق التجريم، ولا سيما الذى يتعلق بالتنظيم القانونى لعقود الدولة ومدى اتساع سلطاتها في إسناد هذه العقود بالأمر المباشر، ومدى جواز اللجوء إلى القضاء لرقابة هذه العقود. وللدراسة أهمية أخرى مستمدة من حاجة الإصلاح الاقتصادى إلى إطار تشريعى يكفل حماية فعالة للاستثمار من جهة، ويحقق الاستقرار والأمان للأفراد من جهة أخرى. وقد أدت الحقيقة السابقة إلى أن يختط الشارع المصرى سياسة تشريعية فى قوانين الاستثمار المتعاقبة مضمونها تقرير العديد من ضمانات وحوافز الاستثمار؛ غير أنه على الرغم من هذه السياسة التشريعية؛ إلا أن الملاحظ هو قلة تدفق الاستثمارات في مصر، وانسحاب عدد منها من العمل بها، فهل سبب ذلك يرجع إلى السياسة التشريعية التي تنظم الحياة الاقتصادية، وتنال بالضرورة من البيئة التشريعية للاستثمار؛ أم أن هذه السياسة التشريعية ليس لها دور فى ذلك، ولذلك تثير الدراسة عدة تساؤلات مهمة: فما هى الخطة التى انتهجها الشارع المصرى فى شأن جرائم الاستثمار؟، وما هو مدلول جريمة الاستثمار؟ ، وهل لهذه الجريمة قواعد خاصة موضوعية وإجرائية تستقل بها؛ أم أنه يسرى عليها ما يطبق بشأن الجرائم الأخرى؟. وإذا كان الاستثمار يرتبط على نحو لازم بالبنوك، فإن التساؤل يثور عن الطبيعة القانونية لأموال البنوك ولا سيما الخاصة منها؟، وهل تعتبر هذه الأموال فى حكم الأموال العامة؟، وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فما أثر ذلك على جرائم الاستثمار؟، وهل تدخل فى هذه الحالة فى عداد جرائم المساس بالمال العام، إذا كان محلها مال من أموال هذه البنوك؟. وأنه إذا كان اتجاه فى التشريعات المقارنة يرى وجوب تخصيص تجريم مستقل للجرائم الاقتصادية، ومن بينها جرائم الاستثمار، فإن التساؤل يثور عن أهمية ذلك؟، وما إذا كانت النصوص العامة فى التجريم تصلح من وجهة النظر الجنائية للتطبيق على جرائم الاستثمار؟، وهل تكفل هذه النصوص العامة التوفيق بين حماية الاستثمار من جهة، والحفاظ على مصلحة المجتمع من جهة أخرى؟. وإذا كان الاستثمار فى جوهره علاقة عقدية، فإن التساؤل يثور عن ماهية معيار وحدود تدخل القانون الجنائى فى نطاق العلاقات الخاصة التى تتضمنه؟، وما هو الخط الدقيق الفاصل بين تدخل القانون الجنائى وعدم تدخله؟، وهل يعد مجرد إخلال المستثمر ببعض هذه الالتزامات العقدية موجباً لتدخل القانون الجنائى؟، وهل تتفق خطة الشارع المصرى مع الأصول العامة فى التجريم والعقاب ومع ما يجب أن تتصف به نصوص التجريم من ضوابط؟ وتثير الدراسة التساؤل كذلك عما إذا كانت التعديلات المتعاقبة لقانون المزايدات والمناقصات والتى أفضت في النهاية إلى أن يحل محله القانون رقم 182 لسنة 2018 بشأن تنظيم التعاقدات التى تبرمها الجهات العامة، قد نجحت في كفالة اعتبارات السرعة والفاعلية في تعاقدات الدولة، ومن ثم سرعة إنجاز المشروعات وتشجيع الاستثمارات؛ أم أن ما استحدثه الشارع قد قوض المبادئ الأساسية التى تقوم عليها نظم عقود الدولة وأهمها الشفافية وتكافؤ الفرص وعدم التوسع في أسلوب الإسناد بالأوامر المباشرة، وهو ما يؤثر بالضرورة على الاستثمار؟. وأثارت الدراسة التساؤل عن السياسة الإجرائية التى اختطها الشارع المصرى فى جرائم الاستثمار: فإذا كان الشارع يتوسع فى التجريم على نحو اعتبر معه الكثير من جرائم الاستثمار بمثابة جرائم تمس المال العام، فما أثر ذلك على الإجراءات الاحتياطية الماسة بالحرية كالحبس الاحتياطى والمنع من السفر، والتى توجه ضد المتهم فى هذه الجرائم؟ ، وهل يجوز التحفظ على أموال المستثمر وذويه فى مثل هذه الحالات؟، وهل يكون من الملائم أن تتخذ مثل هذه الإجراءات؟، وهل يتوسع الشارع المصرى فى دائرة الجرائم التى تجيز المنع من إدارة الأموال والتصرف فيها؟ ، التصرف وهل يحيط الشارع المصرى اتخاذ هذه الإجراءات بضمانات من شأنها أن تحول دون التعسف فى استعمال السلطة؟؛ أم أن هذه الضمانات ليست كافية؟. وهل نجح الشارع المصرى فيما استحدثه في قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2018 من قيد إجرائى في الجرائم الماسة بالمال العام والتى يرتكبها المستثمرون في كفالة التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المصلحة العامة في هذه الجرائم؟ وهل نجح الشارع في تخصيص قضاء مستقل للجرائم الاقتصادية؛ أم أن التنظيم الذى جاء به الشارع لم يحقق الغرض الذى قرر من أجله؟ وأخيراً تثير الدراسة التساؤل السياسة التشريعية في التصالح مع المستثمرين في الجرائم الماسة بالمال العام، وذلك في ضوء ما نص عليه الشارع بالتعديلات التى أدخلت على قانون حوافز وضمانات الاستثمار من إجازة التصالح فى الجرائم التى تمس المال العام ويرتكبها المستثمرون، والتى ألغى النص عليها قانون الاستثمار الحالى رقم 72 لسنة 2017، اكتفاء بنظام التصالح في جرائم المال العام الذى استحدثه الشارع في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 2015: فما هى ملامح هذا النظام؟، وما هى فلسفته؟ وهل خرج ما نص عليه الشارع على أصول الشرعية الجنائية؟، وهل يتفق مع كفالة استقلال القضاء وعدم التدخل في شئونه؟، وهل يحقق هذا النظام المصلحة العامة، ويكفل تحقيق الردع والرد والتعويض من الجانى؟ ، وهل هناك رقابة قضائية كافية على التصالح في هذه الجرائم؟ وما هى خطة التشريعات المقارنة في ذلك؟، وهل من الأوفق التوسع في نظام التصالح ليشمل جرائم تتصف بالجسامة مثل جنايات الاعتداء على المال العام والجرائم المرتبطة بها؛ أم أن هذا التوسع يعد مبالغاً فيه؟، وهل تتسق سياسة الشارع في نظام التصالح مع سياسته التشريعية في الجرائم الأخرى التى قد تماثل هذه الجرائم أو تقل عنها في الأهمية؟، وهل تتفق أحكام التصالح التى نص الشارع عليها مع المعايير الدولية لمكافحة الفساد والمواثيق الدولية التى تكفل تحقق الشفافية والنزاهة اللازمة لتشجيع الاستثمار؛ أم أن البون بين هذه الاتفاقيات وما نص الشارع عليه قد بات شاسعاً؟ وهل تكفل هذه النصوص ضمانات للمستثمر وتضمن حماية الاستثمار، وتحقق مصلحة المجتمع؟.

الملفات المتوفرة